كتب: مؤمن أيوب
تواجه بريطانيا تحديات متزايدة في سوق العمل، مع تصاعد المخاوف من ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب والخريجين الجدد، في ظل تباطؤ التوظيف وارتفاع الأعباء الاقتصادية والضريبية على الشركات، ما يثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على توفير فرص عمل كافية للأجيال الجديدة.
وبحسب بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، بلغ معدل البطالة نحو 5% خلال الفترة من مايو إلى يوليو، بما يعادل قرابة مليون و780 ألف شخص خارج سوق العمل، في مؤشر يسلط الضوء على حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد البريطاني.
كما تفتح هذه المؤشرات الباب أمام تساؤلات بشأن أسباب تعثر فرص التوظيف، ومدى تأثير السياسات الاقتصادية والضريبية على قدرة الشركات على استيعاب المزيد من العاملين، بالتزامن مع اقتراب مناقشة الموازنة العامة.
الخريجون في مواجهة منافسة متزايدة:
وفي حديث لبرنامج «غرفة الأخبار» على «سكاي نيوز عربية»، أرجع خبير الاقتصاد السياسي ناصر قلاوون أزمة البطالة إلى اختلالات تراكمت على مدار السنوات العشر الماضية، دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في معالجتها بصورة فعالة.
وأوضح قلاوون أن اتجاه بعض الشركات إلى تقليص نفقات العمالة، بالتزامن مع الاستعانة بموظفين من الخارج، يزيد حدة المنافسة على الوظائف المتاحة أمام الخريجين البريطانيين، في وقت تتراجع فيه فرص الدخول إلى سوق العمل.
كما أشار إلى أن بعض الشركات خفضت معدلات توظيف الخريجين بنسب كبيرة، معتبرًا أن تراجع برامج دعم التوظيف يضع مزيدًا من العقبات أمام الشباب الباحثين عن فرصتهم الأولى.
كما لفت إلى أن السماح لبعض الطلاب الأجانب بالبقاء في بريطانيا والعمل لمدة عامين بعد التخرج يضيف، بحسب تقديره، مزيدًا من المنافسة على الوظائف. ومع ذلك، لم تتضمن المقابلة بيانات تفصيلية تقيس حجم تأثير العمالة الأجنبية على معدلات بطالة الشباب.
الضرائب تضغط على الشركات وفرص التوظيف:
انتقد الخبير السياسات الاقتصادية والضريبية التي اتبعتها الحكومات البريطانية المتعاقبة، معتبرًا أن ارتفاع الأعباء المفروضة على الشركات الصغيرة والمتوسطة يحد من قدرتها على التوسع والاستثمار، ويقلص فرص توفير وظائف جديدة.
وأكد أن تحفيز التوظيف يتطلب إجراءات حكومية أكثر فاعلية، تشمل تقديم حوافز للشركات التي تستقطب الشباب والخريجين الجدد، إلى جانب مراجعة بعض الأعباء الضريبية التي تواجه مؤسسات الأعمال.
ويرى قلاوون أن الخروج من أزمة البطالة يستلزم تبني سياسات اقتصادية طويلة الأجل تركز على خلق فرص عمل مستدامة، بدلًا من الاعتماد على حلول مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.
الموازنة البريطانية أمام خيارات صعبة:
ربط قلاوون بين الضغوط التي يشهدها سوق العمل والتحديات المتزايدة أمام المالية العامة البريطانية، في ظل ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية والاجتماعية وزيادة الإنفاق الدفاعي.
وأشار إلى أن الالتزامات المتعلقة بدعم أوكرانيا وتوسيع الإنفاق العسكري تضيف أعباء جديدة على الموازنة، وتزيد صعوبة تحديد أولويات الإنفاق الحكومي.
وتحدث الخبير عن فجوة مالية تقدر بنحو 40 مليار جنيه إسترليني، وفق تقديره، موضحًا أن الحكومة تواجه خيارات صعبة لسدها، تشمل زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق العام أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض.
كماحذر من أن فرض أعباء ضريبية إضافية على الشركات الصغيرة والمتوسطة والطبقة الوسطى قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية، بما ينعكس سلبًا على الاستثمار وفرص التوظيف.
كيف يمكن لبريطانيا احتواء أزمة البطالة؟
فيما يتعلق بالحلول، دعا قلاوون إلى إعادة النظر في توزيع الأعباء الضريبية، وزيادة مساهمة الشركات الكبرى وأصحاب الدخول المرتفعة، بالتوازي مع الحد من الهدر في الإنفاق العام.
كما شدد على ضرورة توفير حوافز مباشرة لتوظيف الشباب والخريجين، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها أحد المحركات المهمة للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وحذر من الاعتماد على الاقتراض باعتباره حلًا سهلًا، في ظل ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمته، مؤكدًا أهمية تحقيق توازن بين ضبط المالية العامة وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وفي ظل هذه التحديات، تواجه الحكومة البريطانية اختبارًا حقيقيًا يتمثل في قدرتها على تنشيط الاقتصاد وتوسيع قاعدة التوظيف، بما يضمن فرصًا أفضل للشباب والخريجين الجدد، ويحد من مخاطر استمرار ارتفاع البطالة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.