بقلم: هبه شرقاوي | نيوز بالعربي
«دعم يا باشا.. دعم يا بيه».. عبارة تختصر مشهدًا أصبح يستحق أكثر من مجرد تعليق عابر أو سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مشهد يفتح أبوابًا واسعة للنقاش حول طبيعة الشهرة في عصر المنصات الرقمية، والمعايير التي باتت تحدد من يستحق اهتمام الجمهور، ومن يتحول إلى نجم تتسابق الأعين لمتابعته، والأيدي لإرسال الهدايا إليه.
فمع عودة صانع المحتوى محمد شاكر، المعروف باسم «شاكر محظور دلوقتي»، إلى البث المباشر عبر منصة «تيك توك» عقب خروجه من محبسه، تصدر ظهوره منصات التواصل الاجتماعي، وشهد البث تفاعلًا واسعًا تخللته هدايا إلكترونية من المتابعين. وتداولت مواقع إخبارية تقديرات مالية ضخمة لقيمتها، وصلت في بعض الروايات إلى نحو عشرين مليون جنيه، دون وجود تأكيد رسمي مستقل لهذا الرقم أو لصافي ما حصل عليه بالفعل.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التفاعل الجماهيري، إذ شهد يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر 2026 تقدم محامٍ ببلاغ إلى النائب العام، طالب فيه بفحص الهدايا الإلكترونية، والتحقق من قيمتها الفعلية، ومصادر الأموال ومسارات تحويلها، وتحديد العائدات التي آلت إلى صاحب الحساب بعد خصم عمولات المنصة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن تقديم البلاغ لا يعني ثبوت مخالفة أو إدانة، وإنما يظل طلبًا للفحص والتحقق، وهو ما يجعل القضية جديرة بالمناقشة من زاوية أوسع من مجرد تداول الأرقام أو الانشغال باسم صاحب البث.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها دقائق من البث المباشر قادرة على استقطاب هذا الحجم من الاهتمام والهدايا، بينما قد تمر سنوات من عمر عالم أو باحث أو صاحب إنجاز دون أن يعرف الجمهور اسمه؟
إننا أمام ظاهرة اجتماعية لا يمكن فهمها بمجرد النظر إلى شخص أو بث مباشر، بل تحتاج إلى قراءة أعمق لطبيعة المجتمع الرقمي، الذي أصبحت فيه المشاهدات والتفاعلات والهدايا الافتراضية جزءًا من اقتصاد جديد يقوم على جذب الانتباه وتحويله إلى عائد مادي.
ومن منظور اجتماعي، فإن الشهرة ليست دائمًا انعكاسًا لقيمة ما يقدمه الإنسان، بل قد تكون نتاجًا لعوامل متعددة، من بينها طبيعة المحتوى، وسلوك الجمهور، وآليات انتشار المنصات، وقدرة صاحب المحتوى على إثارة الاهتمام واستمرار التفاعل.
وهنا تكمن المفارقة؛ فبينما كان المجتمع ينظر إلى المكانة الاجتماعية باعتبارها ثمرة للعلم والعمل والخبرة والإنجاز، أصبحنا نشهد نماذج جديدة من الشهرة لا يشترط فيها بالضرورة تقديم معرفة أو إبداع أو منفعة عامة، بل قد يكفي أن ينجح صاحبها في جذب الأنظار وإبقاء الجمهور متابعًا له.
ولا يعني ذلك أن كل صانع محتوى لا يقدم قيمة، أو أن تحقيق الأرباح من المنصات الرقمية أمر مرفوض؛ فهناك مبدعون يقدمون محتوى تعليميًا وثقافيًا وإنسانيًا يستحق الدعم والتقدير. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة في حد ذاتها هي الغاية، بصرف النظر عن طبيعة الرسالة أو أثرها في المجتمع.
وهنا نصل إلى قضية أكثر خطورة: من يصنع قدوة الأجيال الجديدة؟
فالطفل والشاب لا يتلقيان الرسائل من الأسرة والمدرسة وحدهما، بل أصبحا يعيشان داخل فضاء رقمي واسع، يشاهدان فيه نماذج مختلفة للنجاح والشهرة والثراء، وقد تتشكل لديهما معايير جديدة لتقييم الأشخاص والحكم على قيمة العمل والإنجاز.
وحين يرى الشاب أن بعض مظاهر الشهرة السريعة تحظى باهتمام جماهيري هائل، بينما لا يجد العلماء والباحثون والمخترعون المساحة نفسها، فمن حقنا أن نتساءل عن الرسالة التي تصل إليه، وعن الصورة التي تتكون في ذهنه بشأن الطريق إلى النجاح.
فهل نريد أن نربي جيلًا يقيس نجاحه بعدد المتابعين والهدايا التي يتلقاها، أم جيلًا يؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يتعلمه وينجزه ويقدمه للآخرين؟
إن المشكلة ليست في وجود الترند، بل في أن يتحول إلى ميزان للقيمة، وأن تختلط الشهرة بالاستحقاق، والثراء بالإنجاز، والانتشار بالتأثير الإيجابي.
ولعل الأخطر من ذلك أن يصبح اهتمام المجتمع نفسه جزءًا من صناعة هذه الظواهر؛ فكل مشاهدة تمنح المحتوى مزيدًا من الانتشار، وكل تفاعل يساهم في إبقائه حاضرًا، حتى تتحول بعض المشاهد التي ننتقدها إلى ظواهر نساعد، دون أن نشعر، على استمرارها.
لكن هل المسؤولية تقع على صناع المحتوى وحدهم؟
بالطبع لا؛ فالمسؤولية مشتركة بين الأسرة التي تربي وتوجه، والإعلام الذي يختار ما يسلط عليه الضوء، والمؤسسات التعليمية التي تغرس قيمة المعرفة، والمنصات التي تقوم عليها صناعة المحتوى، وكذلك الجمهور الذي يمتلك بوعيه وقدرته على الاختيار جانبًا مهمًا من التأثير في طبيعة ما ينتشر.
نحن لا نطالب بإلغاء الترفيه، ولا بمصادرة حق الناس في متابعة ما يريدون، ولا نحاكم شخصًا لمجرد أنه حقق شهرة أو تلقى هدايا من متابعيه؛ وإنما ندعو إلى إعادة النظر في سلم القيم الذي نمنحه لأبنائنا، وإلى ألا تتحول المشاهدات والأموال إلى المعيار الوحيد الذي نقيس به النجاح.
ففي الوقت الذي يتسابق فيه البعض على إرسال الهدايا الافتراضية، هناك عقول مصرية تعمل في صمت، وأطباء يواصلون عملهم، ومعلمون يبذلون جهودهم، وباحثون يقضون سنوات في المختبرات، وشباب يحاولون ابتكار حلول لمشكلات مجتمعهم، ولا ينتظرون سوى فرصة عادلة وتقدير يليق بما يقدمونه.
وهؤلاء أولى بأن نفتح لهم أبواب الاهتمام، وأن نمنح إنجازاتهم مساحة في وجدان المجتمع.
إن الأمم لا تنهض بمن يتصدرون الشاشات وحدهم، وإنما تنهض بمن يبنون ويعلمون ويبحثون ويبتكرون، وبمجتمع يعرف كيف يفرق بين من يجذب انتباهه ومن يضيف إلى مستقبله.
فليس كل من تصدر الترند صنع إنجازًا، وليس كل من جمع المال صنع قيمة، وليس كل مشهور قدوة.
وإذا كانت عبارة «دعم يا باشا.. دعم يا بيه» قد تحولت إلى عنوان لمشهد يتداوله الناس، فعلينا أن نسأل أنفسنا: متى يصبح دعمنا الحقيقي للعلماء والمبدعين وأصحاب الإنجازات؟ ومتى نمنح المعرفة ما تستحقه من اهتمام؟
فالدعم الحقيقي ليس مجرد هدايا تُرسل عبر شاشة، بل هو أن ندعم عقلًا يتعلم، وموهبة تنمو، وعالمًا يبحث، وشابًا يحاول أن يصنع مستقبلًا أفضل لنفسه ولوطنه.
فلا نريد مجتمعًا يحارب الشهرة، بل مجتمعًا يعرف قيمة من يستحقها، ولا نريد أن نمنع الترفيه، بل ألا نسمح له بأن يحل محل الوعي والمعرفة.
حفظ الله مصر وأبناءها، ووفق شبابها إلى العلم والعمل والإبداع، وجعل قيمة الإنسان فيما يقدمه لوطنه ومجتمعه، لا فيما يحصده من تصفيق عابر أو شهرة مؤقتة.